اسماعيل بن محمد القونوي

340

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

القبيحة وهي ما نهى عنه يذم فاعلها ويعاقب عليها بأن جعلها متعلقا بزين مشتهاة للطبع حتى تهالكوا عليها وأعرضوا عن غيرها وسبب هذا الجعل انهماكهم على الشر والمعاصي وإصرارهم على الكفر باختيارهم وهذا في المعنى كالختم والطبع فلا يرد الإشكال بأنهم حينئذ يكونون مجبورين على الكفر وسائر المعاصي وقد مر توضيحه في سورة البقرة . قوله : ( أو الأعمال الحسنة التي وجب عليهم أن يعملوها يترتب المثوبات عليها ) أو الأعمال الحسنة التي أعرضوا عنها فالإضافة في النظم الكريم لأدنى ملابسة ولذا قال المص الأعمال الحسنة ولم يقل أعمالهم الحسنة كما قال أعمالهم القبيحة قوله التي وجب عليهم إشارة إلى وجه إضافتها إليهم مع إعراضهم عنها قوله بترتب المثوبات متعلق بزين وهذا الاحتمال « 1 » بعيد إذ التزيين في مثل هذا المقام أعمالهم القبيحة فإنها مشتهاة ومحبوبة لنفوسهم وأما الطاعات فثقيلة على النفوس إلا على المرتاضين ولذا ورد حفت الجنة بالمكاره وحفت جهنم بالشهوات . قوله : ( فهم يعمهون عنها لا يدركون ما يتبعها من ضر أو نفع ) فهم يعمهون اختير إلى ذاته وقد أسنده إلى الشيطان في قوله : وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ [ النمل : 24 ] قلت بين الإسنادين فرق وذلك إن إسناده إلى الشيطان حقيقة وإسناده إلى اللّه تعالى مجاز وله طريقان في علم البيان أحدهما أن يكون من المجاز الذي يسمى الاستعارة والثاني أن يكون من المجاز الحكمي فالطريق الأول أنه لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق وجعلوا إنعام اللّه بذلك عليهم وإحسانه إليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم وبطرهم وايثارهم الروح والترفه ونفارهم عما يلزمهم فيه التكاليف الصعبة والمشاق المتعبة فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم وإليه أشارت الملائكة صلوات اللّه عليهم في قولهم ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر والطريق الثاني أن إمهاله الشيطان وتخليته حتى نزين لهم له ملابسة ظاهرة للتزيين فأسند إليه لأن المجاز الحكمي يصححه بعض الملابسات وقال صاحب الانتصاف قول الزمخشري مبني على قاعدة رعاية الأصلح ولو عكس فقال الإسناد إلى اللّه تعالى حقيقة واختار قول الحسن لكن أصوب لما أنه ليس فيما رواه الحسن هدما لمذهبهم بخلاف الوجه الأول إذ ظاهره يهدم بنيان قاعدتهم لكن الأولى هو الوجه الأول لما ورد التزيين غالبا في الشر زين للناس حب الشهوات زين للذين كفروا الحياة الدنيا وكذلك زين لكثير من المشركين وورد في الخبر قليلا كقوله : حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [ الحجرات : 7 ] ويبعد الخبر هنا إضافة الأعمال إليهم في قوله أعمالهم وهم لم يعملوا الخير أصلا . قوله : والأعمال الحسنة فتكون الآية نظير قوله تعالى : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [ فصلت : 17 ] . قوله : لا يدركون ما يتبعها من ضر أو نفع فسر رحمه اللّه العمة بعدم الإدراك لأن العمة عدم البصيرة كما أن العمى عدم البصر وفي الكشاف العمة التحير والتردد كما يكون حال الضال عن الطريق .

--> ( 1 ) قيل قاله الحسن وأنت تعلم أنه ليس بحسن .